ما فعله الجنود الرومان بالملكات الأسيرات يثير الاشمئزاز: مصائر بوديكا وزينوبيا ودروس التاريخ المظلم

في عصر الإمبراطورية الرومانية، حيث كانت الفتوحات تُبنى على الدماء والسيطرة المطلقة، لم يكن أسر الملكات مجرد حدث عسكري عادي. كانت هذه النساء اللواتي يمثلن شعوباً وممالك بأكملها، رموزاً حية للهزيمة، يتم استغلالهن لإذلال الأمم المهزومة وإظهار قوة روما.
كان الجنود الرومان، تحت قيادة جنرالات مثل يوليوس قيصر أو الإمبراطور أوريليان، يرتكبون فظائع تتجاوز القتل، مستخدمين العنف الجسدي والجنسي والنفسي كأسلحة لكسر الإرادة.
يُعد مثالا بوديكا ملكة الإيسيني في بريطانيا خلال عامي 60-61 ميلادي، وزينوبيا ملكة بالميرا في الشرق الأوسط عام 272 ميلادي، أبرز الشواهد على هذه الوحشية الموجهة خصيصاً ضد النساء في سياق الغزو الإمبراطوري.

تبدأ قصة بوديكا، الملكة الشجاعة لقبيلة الإيسيني في بريطانيا الرومانية، بعد وفاة زوجها الملك براسوتاغوس. كان قد أوصى في وصيته بتقسيم مملكته بالتساوي بين ابنتيه والإمبراطور الروماني نيرون، محاولاً الحفاظ على السلام. لكن السلطات الرومانية تجاهلت الوصية تماماً، واستولت على كل الممتلكات، معتبرة المملكة غنيمة حرب كاملة.
وفقاً للمؤرخ الروماني الشهير تاسيتوس في كتابه “الحوليات” (كتب حوالي عام 116 ميلادي)، وكاسيوس ديو في “تاريخ روما” (حوالي عام 229 ميلادي)، تعرضت بوديكا نفسها لجلد علني قاسٍ بالسياط، حيث lacerated جسدها جروح عميقة، في عقاب يُعتبر “خفيفاً” بالمعايير الرومانية لكنه كان مهيناً ومؤلماً بشكل شديد.
أما ابنتاها المراهقتان، فقد تعرضتا لاغتصاب جماعي من قبل الجنود الرومان، في فعل وحشي يهدف إلى تدمير شرف العائلة الملكية وكسر روح الشعب بأكمله. كان هذا الاغتصاب سلاحاً نفسياً شائعاً في الحروب الرومانية، يرمز إلى “غزو” العدو على مستوى أعمق، ويردع أي محاولة تمرد مستقبلية.

هذا الإذلال الشديد أشعل شرارة ثورة بوديكا الكبرى، التي اجتاحت المدن الرومانية في بريطانيا مثل كولشيستر (كامولودونوم) ولندن (لوندينيوم) وسانت ألبانز (فيرولاميوم)، حيث قتل المتمردون نحو 70 ألف روماني ومتعاون معهم في عمليات انتقامية وحشية.
لكن القوات الرومانية، بقيادة سويتونيوس باولينوس، هزمت الثوار في معركة شارع واتلينغ الشهيرة، رغم تفوق العددي لدى بوديكا. لتجنب الأسر والإذلال الأكبر، اختارت بوديكا الانتحار بالسم، ويبقى مصير ابنتيها مجهولاً حتى اليوم.
يُظهر هذا العنف الجنسي الأولي كيف كانت روما تستخدم الاغتصاب كأداة حرب منظمة، خاصة ضد النساء الملكيات لإضعاف المقاومة الوطنية.
في الشرق، تروي قصة زينوبيا، الملكة الذكية والطموحة لمملكة بالميرا (تدمر في سوريا الحديثة)، جانباً آخر من الإذلال الروماني. بعد وفاة زوجها أوديناتوس، تولت زينوبيا الوصاية على ابنها فابالاثوس، ووسعت الإمبراطورية لتشمل أجزاء من مصر والأناضول، متحدية السلطة الرومانية مباشرة.
هُزمت قواتها أمام الإمبراطور أوريليان في معركة إميسا عام 272 ميلادي، وأُسرت الملكة نفسها.
في عام 274 ميلادي، عرضها أوريليان في موكب انتصاره الشهير في روما، مقيدة بسلاسل ذهبية ثقيلة جداً، مزينة بجواهرها الخاصة لتزيد من الإهانة، ومُجبرة على السير مسافات طويلة أمام عربة الإمبراطور وسط حشود تهزأ وتسخر منها، كما يصف المؤرخ زوسيموس في كتابه “التاريخ الجديد” (حوالي عام 500 ميلادي).
لم تُسجل المصادر التاريخية اغتصاباً أو جلداً مباشراً لزينوبيا، لكن هذا الاستعراض العلني كان إذلالاً نفسياً هائلاً، يُوصف بأنه “مصير أسوأ من الموت” لملكة فخورة مثلها، إذ يرمز إلى خضوع مملكتها بالكامل أمام العالم.
في نهاية المطاف، أبدى أوريليان رحمة نادرة – ربما لأغراض دعائية – فسمح لزينوبيا بالعيش في فيلا قرب روما، حيث تزوجت من سناتور روماني وأنجبت أطفالاً، محولة إلى جزء من النخبة الرومانية. هذا التساهل الاستثنائي يبرز التباين في معاملة الأسيرات الملكيات.
كانت هذه الممارسات جزءاً من السياسة الرومانية العامة تجاه النساء الملكيات الأسيرات: الاغتصاب الرمزي لـ”الغزو الكامل”، الاستعباد، البيع في الأسواق، أو العرض في مواكب الانتصار، كما حدث مع أرسينوي، شقيقة كليوباترا، في انتصار يوليوس قيصر عام 46 قبل الميلاد.
بعض الملكات حصلن على عفو مثل زينوبيا، بينما انتهى مصير أخريات بالإعدام أو العبودية الدائمة.
حتى داخل المجتمع الروماني، أثار هذا العنف اشمئزازاً لدى بعض المؤرخين؛ فتاسيتوس نفسه أدان معاملة بوديكا وبناتها، معتبراً إياها سبباً مشروعاً للثورة، مما يظهر أن هذه الفظائع لم تكن مقبولة تماماً حتى في عصرها. تعكس هذه الأحداث كيف اعتمدت الإمبراطوريات على العنف الجندري (الموجه ضد النساء) لتعزيز السيطرة السياسية والنفسية.
اليوم، نتذكر بوديكا وزينوبيا ليس لنعيد إحياء الرعب والعنف، بل لنكرم شجاعتهما وتحديهما لإمبراطورية عظمى رغم الظروف القاسية. بوديكا أصبحت رمزاً للمقاومة البريطانية ضد الغزاة، وزينوبيا أيقونة للقيادة النسائية في الشرق القديم.
دراسة هذه القصص التاريخية تساعدنا على فهم الجانب المظلم من “مجد” الفتوحات، حيث يخفي الإعجاب بالإمبراطورية الرومانية فظائع جنسية وبشرية لا تُبرر. كما تذكرنا بأن أي انتصار عسكري لا يمكن أن يبرر إذلال المهزومين أو انتهاك كرامتهم الإنسانية.
في النهاية، جلدوا الملكات واغتصبوا بناتهن ليعلنوا “الغزو”، لكن إرث التحدي لهاتين الملكتين لا يزال يتردد عبر العصور، يلهم الأجيال بقوة الإرادة أمام الطغيان.
هذه المعلومات مستمدة من مصادر تاريخية موثوقة وأصلية مثل “الحوليات” و”أغريكولا” لتاسيتوس، “تاريخ روما” لكاسيوس ديو، “التاريخ الجديد” لزوسيموس، و”تاريخ أوغسطا” (Historia Augusta). يُرجى الانتباه إلى أن المحتوى حساس جداً، يشمل وصفاً لعنف جسدي وجنسي، ويهدف فقط إلى التثقيف التاريخي والتذكير بضحايا الفتوحات الإمبراطورية.
في سياق أوسع، يُظهر التاريخ الروماني أن العنف ضد النساء كان أداة استراتيجية لكسر المقاومة، سواء في الغرب مثل بريطانيا أو الشرق مثل بالميرا. هذه الفظائع ليست مجرد حوادث فردية، بل جزء من نمط إمبراطوري يعتمد على الإرهاب للحفاظ على الوحدة.
دراسة بوديكا وزينوبيا اليوم تساهم في نقاشات حديثة حول العنف الجندري في الحروب، وتؤكد أهمية احترام حقوق الإنسان حتى في أوقات الصراع.